دالي : لقد كنت بنظر والدي نصف شخص ، أو بديل ، وكانت روحي تعتصر ألماً وغضباً من جراء النظرات الحادة التي كانت تثقبني دون توقف بحثاً عن الآخر الذي كان قد غاب عن الوجود فلقد أختار لي والدي أسم أخ لي كان قد توفي قبل ميلادي بثلاث سنوات .
- ماذا عن بدايتك الفنية ؟
دالي : لقد رسمت أول لوحاتي في السابعة من عمري
- وعن دراستك للفن من المعروف أنك درست في كلية الفنون الجميلة في “سان فيرناندو” في مدريد .
دالي : أذكر جيدا هذه الأيام ففي كل يوم أحد كنت أذهب إلى متحف “برادو” حيث كنت أمضي ساعات طويلة متسمراً أمام لوحات المشاهير وعندما أعود إلى الأكاديمية أرسم رسوماً تكعيبية للمواضيع التي شاهدتها في هذه اللوحات. وفي ذلك الوقت تعرفت على الفن التكعيبي
- ولكنك سرعان ما أعلنت الثورة على المفاهيم التي يدعو إليها هذا الفن ويدافع عنها ، واستبدلت ألوان قوس قزح في لوحاتك بالألوان الأبيض والأسود والأخضر الزيتوني والبني الداكن، وهذا يدفعنا للتساؤل عن الثبات علي موقفك السياسي الداعم لأحد الأساتذة اليساريين الأمر الذي أدى إلي فصلك من الدراسة لمدة عام ،والسجن لمدة شهر
دالي :المواقف السياسية دائما ما تتغير( أخذ دالي ينظر ألي السقف ويعبث بشاربه) ثم قال: فأنا الآن مثلا أفضل التقليد على الحداثة والنظام الملكي على الديموقراطية ، والصوفية على المادية الجدلية ، و أحترم ” أندريه بروتون” احتراما كبيرا كما أحترم نشاطه الفكري ، واحتقر أرباب الوجودية ونجاحاتهم المسرحية والمرحلية ، وأنا مولع بالرسام رافاييل ، و أعتبره”الجانب الفينيقي” من دمي و أحب الفيلسوف” أوجست كنت” الذي وضع المصرفيين في المرتبة الأولى من المجتمع
- هل يتعلق ذلك بذاتك كفنان متقلب وثائر ام بطبيعة الأمور؟
دالي : الفن هو طبيعة الأمور!! ومن لم يعرف الفن وينتجه أو على الأقل يتذوقه لا يكون بأي حال انسانا طبيعيا!
- اسمح لي يا سيدي بمناسبة هذا الموضوع – الإنسان الطبيعي- فقد أتهمك الكثير بالجنون ، وأكثر من ذلك فقد حدد البعض أعراضه الموصوفة ( هلاوس سمعية وحالات من الشك المرضي ونوبات من الغضب والعنف إضافة لهذيانات العظمة وسلوك جنسي استعراضي وإثارة جنسية ذاتية غريبة ، وضحكات غير مناسبة مع تعليقات جارحة غير مناسبة ، وصعوبات في التعاطف مع الآخر مع سلوك احتيالي و سادية ) ما رأيك في ذلك ؟
دالي : أن الفارق بين الطبيعي والمرضي هو فارق كمي وليس نوعي .. الفرق الوحيد بيني وبين المجنون هو أني لستُ مجنوناً
- علي الرغم من الأعراض التي يصفها البعض بالمرضية إلا أنك كنت دائما ناجحا ومبدعا ؟
دالي : يا عزيزي الأمر ليس كما يتخيله الناس ، سوف أسألك أنا : متى يتناول الناس الحبوب المنومة ؟
- حينما يفقد الإنسان القدرة علي النوم.
دالي : هذا الشائع ، لكني أفعل العكس تمامًا، ففي الفترات التي يكون فيها نومي في أقصى درجات انتظامه وروعته ، فإني بتصميم أقرر أن أتناول حبة منوم، وبصدق وبدون ذرة استعارة ، فإني أنام كلوح الخشب، وأستيقظ مستعيدًا شبابي ثانية.
- وهل هذا طبيعي؟
دالي : ماذا تعني بطبيعي ؟ أن تكون مثل الآخرين ؟ أن تكون تصرفاتك متوقعة من الآخر فقط ليتقبلها الآخر منك ، وأن لا تثير اشمئزازه ، أو تثير عقله حتى ،..( بدأ دالي يضغط على عصاه المزركشة بقوة) وهو يقول: كل الحيونات تفعل ذلك يمكنك أن تتوقع تصرفاتها ، الناس تكره الذباب ولكني أحبه ، يعجبني الذباب ولا أكون سعيدًا إلا حين أكون عاريًا في الشمس والذباب يغطيني ، و أنت ماذا تحب ؟! أنت حر.
- لذلك أحببت السريالية ؟ لأنها اتجاهاً يهدف إلى إبراز التناقض في حياتنا أكثر من اهتمامها بالتأليف ؟ أم لأنك اعتمدت على نظريات فرويد رائد التحليل النفسي خاصة فيما يتعلق بتفسير الأحلام ؟
دالي : السريالية هي الأسلوب الذي ابتكرته أنا، ويعتمد على التجسيم الواقعي أو “الهذيان الناقد” والذي يستخدم فيه رموز الأحلام ليرتفع بالأشكال الطبيعية إلى ما فوق الواقع المرئي ، لكن مع التجسيم الطبيعي لها .
- ولكن البعض يؤكد أنك ربما قد لجأت إلى أساليب ملتوية لتحقيق الشهرة العالمية كتأييدك لحكم “فرانكو” في إسبانيا ، وكذلك خلال فترة صعود الحزب النازي إلى الحكم في ألمانيا حيث رسمت العديد من اللوحات التي تظهر “هتلر” في أوضاع عجيبة- بعضها أنثوي- ويقال أن “هتلر” أعجب ببعض هذه اللوحات ، مما دفع “بريتون” والفنانين السرياليين إلى اتخاذ قرار جماعي بفصلك من الحركة السريالية ،إضافة لاتهامك بالولع الشديد بالمال؟
دالي : ( أوشك دالي أن يصدر صوتا من أنفة ) لقد قلت لـ” بريتون” ليس بإمكانك طردي ، فالسريالية هي أنا!!،( وهنا ضحك دالي ضحكة غريب ) ثم قال: لقد كانت الشيكات تنهمر كالإسهال.
- أود أن أعرف السبب الحقيقي لنجاحك هل هو التناقض في تصرفاتك ،أم ذكاؤك في تقديم نفسك للآخر ،أم ثقافتك الواسعة ، أم مهارتك العليا في أعمالك ؟
دالي: إن كل رسام جيد يريد أن يكون مبدعاً وينجز لوحات رائعة ، عليه أولاً أن يتزوج زوجتي
- تقصد أن سر عبقريتك هو زوجتك؟!
دالي: أنت لا تعرف “جالا” فلو عرفتها لفهمت معني كلامي ( نظر لي دالي باحتقار) الذي أقصده إذا أردت أن تصبح فنان تزوج جالا ..
- هل هي ” جالا التي كنت توقع باسمها مع اسمك في بعض اللوحات ؟
دالي : نعم ( ابتسم دالي بنشوة) ثم قال: في عام 1964، أصدرت كتاباً بعنوان “ يوميات عبقري” وفي المقدمة كتبت : “هذا كتاب فريد، هو أول كتاب يكتبه عبقري، كان حظه الفريد أن يتزوج من “جالا” المرأة الأسطورية الفريدة في عصرنا“.
- هل رسمت “جالا”؟
دالي : في العديد من اللوحات تلمح عينها أو وجهها الجميل أو سيقانها الرائعة!!
- حتى لوحتك الشهيرة “صعود العذراء” التي تمثل فيها السيدة العذراء وهي ترتفع إلى السماء، اخترت وجه “جالا” ليكون وجه العذراء أيضا؟ !
دالي : هل تتوقع أن تكون” العذراء” أجمل من “جالا”؟! ،( ثم نظر لي من أسفل إلى أعلى ) وقال: أنت لا تعرف “جالا” ولم تنم مع “جالا” يوما ولن تستطيع .
- عفوا سيدي وهل للوحتك الشهيرة” الساعات المرتخية ” التي تسمي أحيانا “ثبات الذاكرة” علاقة “بجالا”؟
دالي : الفكرة الأصلية لهذه اللوحة قد أتت لي في يوم صيفي حار.( بدأت عينه تلمع ووجهه يشرق بالسعادة كأنه يستعيد الحدث) وهو يقول : كنت في منزلي أعاني من الصداع بينما “جالا” تتسوق ، بعد وجبتي لاحظت نصف قطعة من الجبن تذوب بسبب حرارة الشمس ، وفي تلك الليلة وبينما كنت أبحث في روحي عن شيء لأرسمه ، شاهدت حلماً لساعات تذوب في الفراغ ، عدت بعد ذلك إلى عملي الذي لم ينته بعد حيث كنت قد رسمت المرتفعات والشجرة ، وخلال ساعتين أو ثلاثة كنت قد أضفت الساعات الذائبة وأصبحت اللوحة كما تعرفونها الآن ..
- وماذا عن لوحتك “ تحولات نرجس المسخية “أو “انمساخ نرجس” ؟ وهي كما نعلم في اللوحة سويت نرجس جالساً على حافة بركة من الماء يحدق إلى الأسفل. وهناك شكل صخري متحلل قريب منه ، يتجاوب معه عن كثب. لكن الاختلاف كبير جداً ، صورةٌ ليدٍ تحمل بيضةً تنمو منها زهرةُ نرجس. وفي الخلف مجموعة من الرجال والنساء العارية من مختلف الأجناس، بينما يلوح شكل شبيه بنرجس في الأفق.
دالي : لقد كتبت قصيدة طويلة مرفقة مع اللوحة وبينت فيها ” أنه تخرج من رأس نرجس زهرة هي نرجس جديد .. “جالا” نرجستي.
صبحي : في ختام هذا اللقاء الذي استمتعت به جدا بماذا تنصح شباب الفنانين ؟
دالي : نصيحتي لهم لكل فنان يريد أن يصبح عبقريا مثلي ، أن يتزوج بـ ” جـــــــــــالا ” أن استطاع أو فليبحث له عن عمل آخر.