الاثنين، 5 نوفمبر 2012

التسامح جميل… فأين المتسامحون؟


فلنتفق أولا حول مفهوم الثقافة. الثقافة هي ذاك التكوين النفسي المشترك بين أفراد الأمة الواحدة، وجملة التراكمات الأدبية والفنية والسلوكية الموروثة.
وبناءً عليه فإن ثقافة التسامح ليست منتوجا نقتنيه من السوق أو نستورده من بلد أجنبي، إنما التسامح ذهنية وتاريخ وأسلوب تعاط مع كل طرح مخالف.
ما من ريح تغيير هبت على أمة إلا وكانت إفرازا لعقلية ثائرة حرة. وما من أمن واستقرار وعدالة ونماء في بلد إلا وهي نتائج حتمية لسيادة التسامح والحوار بين الحكومة وشعبها.
ميراث العرب السياسي والعقائدي حافل بقيم التسامح ولكنه مثقَل أيضا بالصراعات والاقتتال والاغتيالات وقمع كل نقد واختلاف.
ضم النص القرآني 127 آية تحث على التسامح والجدال بالحسنى والصفح على من اعتدى، ولكنه يدعو أيضا في المقابل إلى القتال والجهاد وإقامة الحد.
لقد لعب التأويل في هذا أسوأ دور بلغ درجة التنكيل بالمفكرين والعلماء والفلاسفة. والإنجيل كتاب تسامح وإيمان وإخاء، غير أن أبشع الجرائم اقترفت باسم الكنيسة.
هذا هو التاريخ. فالمتحدث اليوم عن ثقافة تسامح توفر أرضية مشتركة بين الحكومات وشعوبها ينبغي ألا يغفل عن ذاك الزخم التاريخي.
حاضرنا عصيب ومعقَد. الأزمة الاقتصادية العالمية تلقي بثقلها على البلدان الأكثر فقرا، وسياسة الغرب تجاه العالم الثالث ليست بحسن النية التي يتوهمها الكثيرون، أضف إلى ذلك إيديولوجيات سياسية متشعبة ورؤى مختلفة في الدين تصل حد التناقض والتناحر وإهدار الدم.
ويلف كل هذا سباق محموم نحو كرسي السلطة والمال السهل، تستباح في سبيله الأخلاق والمبادئ والانتماء. إذن لا حديث عن ثقافة التسامح دون تدوين كل هذه المعطيات.
جميلة هي شعارات التسامح وثقافة الحوار، ولكن هل الحكومات والمجتمعات المدنية والأحزاب السياسية والجمعيات المغاربية مستعدة للجلوس إلى مائدة الحوار دون تصعيد وتدافع على الزعامة؟
وهل بإمكان أي طرف وضع المصلحة العليا للبلاد فوق كل اختلاف – بما في ذلك اليساريين والديمقراطيين والعلمانيين والإسلاميين والملحدين والسلفيين والجهاديين والتكفيريين – وخلق هوية وطنية تذوب فيها هذه التجاذبات؟

لست متشائما ولكني أشك.

جسر الأمان السياسي في المغرب العربي
كثيرا ما نسمع الحكومات المغاربية تتشدق بثقافة التسامح، وحماية الحريات، والدفاع عن حقوق الإنسان، وتفعيل مبادئ الديمقراطية الحقة، وترسيخ الوحدة الوطنية. لكن هذه المفاهيم تظل غائبة عن المسرح الفعلي للحياة السياسية والاجتماعية في أغلب الدول المغاربية.
الشعوب تمر الآن بمرحلة انتقال سياسي واجتماعي قد تكون منعرجا زلقا وخطيرا بالنسبة للحكومات التي لا تؤمن بنشر ثقافة التسامح.
في الخطاب الذي ألقته وزيرة الثقافة الموريتانية السيدة سيسة بنت الشيخ بيده أمام الجمعية العامة لليونيسكو الشهر الماضي، حاولت التأكيد على عزم الحكومة الموريتانية على توطيد ثقافة التسامح.
حيث قالت الوزيرة: “تعمل بلادي، منذ تولى الرئيس السيد محمد ولد عبد العزيز سدة الحكم، على تحقيق السلم والعدالة والاستقرار وإشاعة الانصاف انطلاقا من مبادئ الحوار وترسيخ الوئام الاجتماعي.
قد لا يتفق الكثير من المراقبين للوضع العام في موريتانيا مع السيدة الوزيرة حول الادعاءات التي وردت في خطابها. بل إن أغلب الموريتانيين يعتقدون أن الحريات الفردية قد انزلقت عن خط الأمان السياسي والاستقرار الاجتماعي. والدليل على ذلك المظاهرات المتكررة للزنوج وظهور حركة لا تلمس جنسيتي المناهضة للتعداد السكاني، ومصادمات الطلاب في جامعة نواكشوط بسبب الخطابات العنصرية.
ومع ذلك، فمن الواضح أن ترسيخ ثقافة التسامح والمواطنة في الدول المغاربية أصبح موضوع الساعة، حيث بدأت الحكومات تفهم أن التسامح والاحترام هما السبيل الوحيد لكسب ثقة المواطنين ومنع التصادمات التي قد تتسبب في سقوطها.

ليس لدى الشعوب ما تخسره.

حان الوقت لتغير الحكومات المغاربية تصورها التقليدي عن الشعوب بصفتها ضعيفة وخانعة ولا تستحق الاحترام.
لابد أن تتخذ الحكومات خطوة حقيقية نحو ترسيخ ثقافة التسامح بين كل أطياف المجتمع من أجل ضمان نجاح التحول الديمقراطي وبناء دولة الحق والقانون.

حق الاختلاف

مبدأ التسامح وحق الاختلاف مفهومان يتلازمان بشدة، إذ لا يقوم الواحد منهما بمعزل عن الآخر.
المرء، مع نفسه وفي أسرته وداخل نسيج مجتمعه، لا يكون متسامحا بالفعل والقول، ما لم يكن حق الاختلاف أكثر قناعاته الشخصية رسوخا.
أعترف أنني أحيانا أسقط في فخ الانغلاق على الذات، بسبب انغماسي أحيانا في أجواء عدد كبير من المناضلين والمثقفين المغاربيين الذين تربطني بهم علاقات وطيدة.
يتصرف بعض هؤلاء الأشخاص على أنهم، وحدهم دون غيرهم، الجديرون بالحديث في هذا الموضوع. فمن اقتنع بكلامهم فهو يستحق مواصلة الحديث معهم، ومن رفض الاستماع إليهم فهو بالتأكيد شخص عنيد.
هل هم مؤمنون بمبدأ التسامح وحق الاختلاف؟ أظن أنهم مؤمنون فعلا بذلك، لكن ليس خارج دائرتهم.
كل ما هو خارج عن ذواتهم يتنكرون له، وهكذا فهم يسهمون من حيث لا يشعرون في استبعاد الآخرين وتهميشهم.
وهذا ما قد يؤدي لاحقا إلى الإحباط ثم العدوانية فالتعصب.
التسامح ليس مجرد مبدأ جاهز سلفا، بل هو سؤال عميق لا إجابات نهائية له. علينا تطوير مفاهيمنا حول التسامح باستمرار.
 ما أسهل أن نطلق على هذا السلفي أو ذاك صفة المتطرف. ثم نمعن في التفكير لإيجاد خطط فعالة تعيده إلى جادة الصواب. وغالبا ما تبدو خططنا متفتحة على كل شيء إلا على نقد نظرتنا نحن للسلفي نفسه.
بإمكاننا دخول مرحلة الحوار والتفاعل الإيجابي مع هؤلاء المتطرفين حول الفهم الراديكالي للسلفيين. هذه مرحلة ضرورية للبدء في تكريس قيم التسامح المتبادل بين الأفراد والشعوب والبلدان.

تحويل الاختلاف إلى قوة

جميع من حل بالمنطقة المغاربية منذ أقدم العصور حمل معه ثقافته، فكانت أرضا للتعددية الحقيقية وموطنا للتسامح بشتى مظاهره. إذ فيها تعايش أصحاب الديانات السماوية، وتساكن على أرضها المسجد والمعبد اليهودي والكنيسة.
 حولت فضيلة التسامح الاختلاف إلى غنى.
غير أن هذه الدول عرفت انتكاسات عدة. فقد عزف بعض الساسة على وتر الديماغوجية ورفعوا شعارات عصفت أحيانا بالتسامح.
بينما في شمال المتوسط تسامح الأوروبيون وتخلصوا من تأثير المآسي، سواء تلك التي نتجت عن الانقسام الديني أو تلك التي تركتها ويلات الحربين العالميتين، وتمكنوا من تحويل أوروبا إلى فضاء مفتوح في وجه أبنائها.
في الوقت نفسه، لدينا حركات تستوحي مشروعا سياسيا من قراءة معينة للدين الإسلامي، لا يحضر فيها الآخر، فتشرع في تكفير كل من يختلف معها، وتسعى أحيانا إلى فرض فكرها عن طريق القوة.
ولعل ما حدث في ليبيا عندما شرعت حركات مسلحة في هدم الأضرحة وتخريبها، يوضح إلى أي حد يمكن أن يتحول إنسان بدون فضيلة التسامح إلى آلة لنشر الدمار.
إن ثقافة التسامح ليست ترفا فكريا يوشح البرامج السياسية لتعبئة الجماهير، بل هي قيمة إنسانية سامية تحترم الإنسان و تمجده، معها يدرك الناس عبر مختلف وسائل التنشئة الاجتماعية أن لا أحد له الحق في محاسبة الآخرين عند ممارسة حرياتهم الشخصية.
توظيف أبعاد الهوية الثقافية للتمييز بين الناس قد يهيج الفتن الخامدة. ثقافة الاختلاف تثبط استبعاد الآخر وتستثمر في مجتمعيات شمولية لا تتقوقع حول الذات.
في فضاء يسود فيه التسامح، تصبح الديمقراطية بناء جماعيا وتعدديا.
تلك هي اللحمة التي يجب أن تسود في البلاد المغاربية، إذ ليس للمجتمعات خيار آخر إن هي أرادت الرهان على المستقبل.


منتدى مع الشباب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق